عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –

عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
0

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ، أمير المؤمنين ، ولد في مكة المكرمة وبعد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة ، تكنى بأبي حفص حيث كناه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت حفصة أكبر أولاده ، ولقب بالفاروق لقدرته الشديدة على التفريق بين الحق والباطل .
كان طويلاً جسيمًا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.. كان يَفْرَع الناسَ طولاً كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس .. وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالاً .
فالحديث عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لن يكون سهلا فهو من الرجال الذي تغمرك الهيبة وأنت تقرأ تاريخه المكتوب كما تغمرك الهيبة وأنت تجالس شخصه المتواضع.
هو ثاني الخلفاء الراشدين بعد أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، أسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة ،وكثرت الروايات التي تروي قصة إسلامه – رضي الله عنه- وأكثر تلك الروايات ضعيفة مثل قصة دخوله على أخته وزوجها سعيد بن زيد ، وايضا قصة استماعه القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلف أستار الكعبة . 
والراجح – والله أعلم – أن السبب الأساسي في إسلامه هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له عندما قال : اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك : بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب قال : وكان أحبهما إليه عمر . 
فمنزلة عمر- رضي الله عنه – في الإسلام لا تخفى على أحد فعن عكرمة أنه قال : لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر ، وقال ابن مسعود : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ، فهو المقدام الشجاع الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ، وبرغم قوته الكبيرة وشجاعته التي لا مثيل لها تراه يسمع القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله ، فيعود بعد أيام ليس به مرض إلا الخوف ، حيث حفرت الدموع خطين أسودين في وجهه من كثرة البكاء .
وعن مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو كان من بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب ، وقال صلى الله عليه وسلم : نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر ….. ، وقال صلى الله عليه وسلم : لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون(يصيبون إذا ظنوا) من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر . 
وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه ، وقال صلى الله عليه وسلم : أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر ….، وقال صلى الله عليه وسلم : هذان السمع والبصر يعني أبا بكر وعمر .
وعن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم مبشرا عمر بالجنة : بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا القصر؟ قالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا، قال أبو هريرة فبكى عمر بن الخطاب ثم قال : أعليك أغار يا رسول الله 
فرضي الله عنه عمر بن الخطاب .


……..
لقد جاء القرآن الكريم مؤيدا لرأي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في مواقف عدة فقد كان علمه غزير وكان يحرص على التعلم ويوصي به ، فقال- رضي الله عنه- : (تفقهوا قبل أن تسودوا) ، وعن قبيصة بن جابر قال: والله ما رأيت أحدا أرأف برعيته ، ولا خيرا من أبي بكر الصديق ، ولم أر أحدا أقرأ لكتاب الله ، ولا أفقه في دين الله ، ولا أقوم بحدود الله ، ولا أهيب في صدور الرجال من عمر ابن الخطاب، ولا رأيت أحدا أشد حياء من عثمان بن عفان .
وقال عبدالله بن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم .
كان- رضي الله عنه – لا يقول عن شيء أظنه كذا إلا وافق هذا الشيء ظنه ، فكان يعرض الرأي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل القرآن مؤيدا رأيه ، فأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت:{ ….وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى…. }. وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك . 
وايضا أسارى بدر ، فلما أسروا الأسارى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان (نسيبا لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ…. } إلى قوله : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا }
وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ،فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه ، فقلت: يا رسول الله أتُصلي على (بن أُبي)، وقد قال يوم كذا، وكذا : كذا وكذا! ، أعدِّد عليه قوله ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أخر عني يا عمر .
فلما أكثرت عليه قال: «إني خيرت فاخترت لو أعلم أني زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها»، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم انصرف ، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة :{ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا.. } إلى { ..وَهُمْ فَاسِقُونَ } ، قال: فعجبت من جُرأتي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، والله ورسوله أعلم . 
وقيل أن عدد هذه المواقف وصل إلى عشرين موقفا . 
كان عمر بن الخطاب شديد الخوف من الله فألقي الله هيبته في قلوب من حوله من شياطين الإنس والجن فما يسلك الشيطان فجا يسلكه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – .
فرضي الله عن عمر بن الخطاب .


……..
إذا ذكرنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فكيف لا نذكر شجاعته في الغزوات ، فقد شهد عمر بن الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا ، وأحدا ، والخندق ، وبيعة الرضوان ،وخيبر ،والفتح ،وحنين ،وغيرها من المشاهد من وكان أشد الناس على الكفار ، ولقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضع . 
وأما عن عبادته فذكر انه قال لمعاوية بن خديج :لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية ، ولئن نمت بالليل لأضيعن نفسي ، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية .
كان يتسم بحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل الحجر الأسود وقال : إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك .
كان شديد الكرم ينفق ماله ليلا ونهارا في سبيل الله ، فقال الأعمش كنت عنده يوماً فأتى باثنين وعشرين ألف درهم فلم يقم من مجلسه حتى فرقها وكان إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وكان كثيراً ما يتصدق بالسكر فقيل له في ذلك فقال إني أحبه وقد قال الله تعالى :{ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } .
لقد بلغ الفاروق درجة عالية من العلم والفقه والحكمة أهلته لأن يكون قاضيا في عهد الصديق وأميرا للمؤمنين من بعده ، فكان أول قاضٍ في الإسلام ، وفي آخر عهد أبي بكر عقد الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب .
وهذا موقف يدل على ورعه الشديد في خلافته ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (اشتريت إبلاً، وسقتها إلى الحمى، فلما سمنت ؛ قدمت بها، فدخل عمر رضي الله عنه السوق فرأى إبلاً سِماناً.
فقال: لمن هذه ؟
فقيل: لعبد الله بن عمر.
فجعل يقول: يا عبد الله! بخ بخ… ابنَ أمير المؤمنين وقال: ما هذه الإبل ؟!
قلت: إبل أنضاء “هزيلة” اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون.
فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين! يا عبد الله بن عمر خذ رأس مالك، واجعل الربح في بيت مال المسلمين ) ، فخاف أن يكون السبب في جعلها سمينة أن الناس كانت تقول ذلك ( ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين ) .
لا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو: 
* أول من دوّن الديوان وعمل فيه .
* وهو أول من جمع القرآن في الصحف.
وبعد حياة طويلة مليئة بالكفاح والطاعة والبذل والتضحية أحس باقتراب أجله فقام يدعو بهذا الدعاء ( اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك ) ولم يكن هذا الدعاء هو السبب الوحيد في موته شهيدا بل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره قبل ذلك بتلك الشهادة ، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحدا ، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف فضربه برجله وقال : ( اثبت أُحد ، فما عليك إلا نبي ، وصديق ، وشهيدان ) .
وحان الوقت لتتحقق أمنيته بأن يرزقه الله بالشهادة في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقال عمرو بن ميمون: إني لقائم (في الصف ينتظر صلاة الفجر)، ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين، قال استووا، فإذا استووا ، تقدّم فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبَّر، فسمعته يقول: قتلني -أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرْنسًا، فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه -للصلاة بالناس، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرُون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة . 
وكان قد أستأذن عمر بن الخطاب من عائشة أم المؤمنين قبل ذلك أن يدفن بجوار صاحبيه فأذنت له ، ودفن الفاروق مع صاحبيه .
فرحم الله عمر بن الخطاب ورضي الله عنه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *