سيدنا على بن أبى طالب – رضي الله عنه –

سيدنا على بن أبى طالب - رضي الله عنه -
0


هو علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أمير المؤمنين ، أبو الحسن القرشي الهاشمي ، رابع الخلفاء الرّاشدين، وواحد من العشرة المبشّرين بالجنّة .
أول من أسلم من الصبيان على الصحيح وقيل أنه – رضي الله عنه – أول من أسلم من الرجال عامة حتى قبل أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – إلا أن أبا بكر أعلن إسلامه وعلي – رضي الله عنه – أخفاه خوفا من أبيه ، حيث ثبت عن ابن عباس أنه قال : أول من أسلم علي .
وعن محمد القرظي ، قال : أول من أسلم خديجة ، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي ، وإن أبا بكر أول من أظهر الإسلام ، وكان علي يكتم الإسلام فرقا من أبيه ، حتى لقيه أبو طالب ، فقال : أسلمت ؟ قال : نعم . قال : وازر ابن عمك وانصره . وأسلم علي قبل أبي بكر . 
من هو علي ؟!
علي – رضي الله عنه – هو التقي الذي تربى علي يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أكرمها من تربية وما أعلاها من مكانة ، فعندما بلغ السادسة من عمره بدأ يعيش مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ويتأدب على يديه ، ويتأثر بطهره وعظمة نفسه ، وتقى ضميره وسلوكه .
قال عروة : أسلم علي وهو ابن ثمان . 
وقال الحسن بن زيد بن الحسن : أسلم وهو ابن تسع . 
وقال المغيرة : أسلم وله أربع عشرة سنة . رواه جرير عنه .
ومنذ يوم إسلامه إلى أن يجيء اليوم الذي سيلقى فيه ربه … تطبيقاً كاملاً وأميناً لمنهج الرسول وتعاليم القرآن . 
لقد كان يسمع القرآن غـضاً طرياً من فم من أُنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم ، يسمع آية الجنة يتلوها الرسول ، فكأنما الغـلام الرشيد يراها رأى العـين حتى ليكاد يبسط يمينه ليقطف من مباهجها وأعـنابها ، ويسمع آية النار فيرتعـد كالعـصفور دهمه إعـصار ولولا جلال الصلاة وحرمتها لولى هاربا من لفح النار الذى يحسه ويراه .
وبالإضافة إلى ما تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان مع ذلك قد أوتى ذاكرة واعـية وعـقلاً متفتحاً وذكاء نادراً وشجاعـة فذة وقوة لا مثيل لها عـند غـيره . 
وكان علي ذو مكانة خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعـن حبشي بن جنادة السلولي وكان قد شهد حجة الوداع قال : قال رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، عـلي منى وأنا من عـلي ولا يؤدى عـني إلا أنا أو عـلي ، وعـن زر قال : قال عـلي : والذى فلق الحبة وبَرَأ النَّسمة إنه لَعَـهْدُ النبي الأمي صلى الله عـليه وسلم إليَّ ( أن لا يُحبنى إلا مؤمن ولا يُبغـضنى إلا مُنافق ) .
وعـن ابن أبي حازم أن رجلاً جاء إلى سهل بن سعـد فقال هذا فلان ، لأمير المدينة يدعـو عـليا عـند المنبر ، قال : ماذا يقول : قال : يقول له : أبو تراب فضحك قال : والله ما سماه إلا النبي صلى الله عـليه وسلم وما كان له اسم أحب 
إليه منه فاستطعـمت الحديث سهلاً وقلت : يا أبا عـباس كيف ذلك قال : دخل عـلي عـلى فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد فقال النبي صلى الله عـليه وسلم أين ابن عـمك قالت : فى المسجد فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عـن ظهره 
وخلص التراب إلى ظهره فجعـل يمسح التراب عـن ظهره ، فيقول : اجلس يا أبا تراب . مرتين .
وعـن مصعـب بن سعـد عـن أبيه : أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عـلياً فقال : أتخلفنى فى الصبيان والنساء ، قال : ( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون إلا أنه ليس نبي بعـدي ) .
وعـن سعـد بن أبى وقاص قال : ( كنت جالساً فى المسجد أنا ورجلين معـى فنلنا من عـلى ، فأقبل رسول الله صلى الله عـليه وسلم غـضبان يعـرف فى وجه الغـضب فتعـوذت بالله من غـضبه ، فقال مالكم ومالى ، من آذى عـلياًفقد آذاني ).
عـن سعـد بن أبى وقاص قال : أمر معـاوية بن أبى سفيان سعـداً فقال : ما منعـك أن تسب أبا التراب ، فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عـليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لى واحدة منهن أحب إلى من حمر النعـم سمعـت رسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول له خلفه فى بعـض مغـازيه فقال له عـلى : يا رسول الله خلفتنى مع النساء والصبيان ، فقال له رسول الله صلى الله عـليه وسلم ( أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعـدى ) وسمعـته يقول يوم خيبر ( لأعـطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ) قال : فتطاولنا لهافقال : ( ادعـوا لى عـليا ) فأتى به أرمد فبصق فى عـينه ودفع الراية إليه ففتح الله عـليه ولما نزلت هذه الآية : { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال ” اللهم هؤلاء أهلي ” .
فكيف بعد كل هذا يرفض أن ينام على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليفديه بنفسه وهو يعلم تمام العلم أن على الباب رجالاً لا يريدون إلا رأس النائم عـلى الفراش ، فلما قلق به الفراش ليلة من أجل نبيه ، أسعـد الله فراشة بفاطمة بنت نبيه صلى الله عـليه وسلم .
فرضي الله عن علي بن أبي طالب .


اتصف علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بعدة صفات كالذكاء وتفتح العقل ، والوعي الشديد ، والتقوى والورع ، والزهد والتقشف ، وصفات أخرى كثيرة ، ولعل أكبر وأعظم الصفات التي اتصف بها – رضي الله عنه – هي الشجاعة ، فلم تروَ عن صحابي مواقف في البطولة والفداء والتضحية كما رويت لعلي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – ، فكانت أول هذه المواقف نومه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوالت بعد ذلك مواقفه .
وكان في جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما ما يبحث عن الشهادة ويشتاق إليها اشتياق من يبحث عـن الماء البارد فى صحراء موحشة .
فأولاً موقفه في يوم بدر فعـن عـلي قال : تقدم – يعـنى عـتبة بن ربيعـة – وتبعـه ابنه وأخوه فنادى : من يبارز ؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال : من أنتم ؟ فأخبروه فقال : لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عـمنا فقال رسول الله صلى الله عـليه وسلم : ( قم يا حمزة قم يا عـلي قم يا عـبيدة بن الحارث ) فأقبل حمزة إلى عـتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عـبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم ملنا عـلى الوليد فقتلناه واحتملنا عـبيدة . 
وثانياً موقفه الذي لا ينسى في يوم الخندق ، حيث كان عـمرو بن عـبد ود العـامرى وهو فارس قريش ( كبش الكتيبة ) قد حضر معـركة بدر الكبرى ، وذاق مرارة الهزيمة بعـد أن جُرح فى المعـركة ، فنذر أن لا يمس رأسه دهناً حتى يقتل محمداً ، ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين ، ومعـه فوارس من قريش ،وعـند البيهقى في ( دلائل النبوة ) : ( خرج عـمرو بن عـبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى : من يبارز ؟ فقام عـلى بن أبى طالب فقال : أنا لها يا نبى الله فقال : ( إنه عـمرو ، اجلس ) ، ثم نادى عـمرو : ألا رجل يبرز ؟ فجعـل يؤنبهم ويقول : أين جنتكم التى تزعـمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلاتبرزون إلى رجلا ؟ فقام عـلى فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : ( اجلس ) ثم نادى الثالثة فقال :
ولقد بححت من النداء …. لجمعـهم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع …. موقف القرن المناجز
ولذاك إني لم أزل …. متسرعـا قبل الهزاهز
إن الشجاعـة في الفتى …. والجود من خير الغـرائز 
قال : فقام عـلي رضى الله عـنه ، فقال : يا رسول الله أنا ، فقال : ( إنه عـمرو ) فقال : وإن كان عـمراً فأذن له رسول الله صلى الله عـليه وسلم ، فمشى إليه حتى أتى وهو يقول :
لا تعـجلن فقد أتاك …. مجيب صوتك غـير عـاجز
فى نية وبصيرة …. والصدق منجي كل فائز
إنى لأرجو أن أقيــ …. ــم عـليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبـــ…. ـقى ذكرها عـند الهزاهز 
ولما مشى عـلي إلى عـمرو ليبارزه قال له : يا عـمرو ، إنك كنت تقول : لا يدعـوني أحد إلى واحدة من ثلاثة إلا قبلتها قال له : أجل : فقال له : إني أدعـوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتسلم لرب العـالمين ، فقال عـمرو : يا ابن أخي ، أخر عـني هذه ، قال عـلي : وأخرى : ترجع إلى بلادك فإن يك محمد رسول الله صادقا كنت أسعـد الناس به ، وإن يك كاذبا كان الذى تريد ، فقال عـمرو : هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً ، كيف وقد قدرت عـلى استيفاء ما نذرت ؟! ثم قال عـمرو : فالثالثة ما هى ؟ فقال عـلي : البرازُ ، فضحك فارس قريش عـمرو – وكان فارسا مشهورا معـمرا قد جاوز الثمانين – ، ثم قال لعـلي : إن هذه الخصلة ما كنت أظن أحداً من العـرب يروعـني بها ، ثم قال لعـلي : من أنت ؟ قال له : أنا عـلي ، قال : ابن عـبد مناف ؟ فقال عـلي : أنا عـلي بن أبي طالب ، فقال عـمرو : يا ابن أخي من أعـمامك من هو أسن منك ، فوالله ما أحب أن أقتلك ، فقال عـلي : ولكني والله أحب أن أقتلك ، فـعـند ذلك غـضب عـمرو غـضبا شديدا ونزل فسل سيفه كأنه شعـلة نار ثم أقبل نحو عـلي مغـضبا واستقبله عـلى بدرقته فضربه عـمرو فى درقته فقدها ، وأثبت السيف فيها ، وأصاب رأسه فشجه وضربه ( عـلي ) عـلى حبل عـاتقه فسقط وثار العـجاج وسمع رسول الله صلى الله عـليه وسلم التكبير ، فعـرف الناس أن عـليا قد قتل عـمراً .
وثالثاً فتح الله على يديه يوم خيبر ، فعـن سهل بن سعـد رضي الله عـنه ، أن رسول الله صلى الله عـليه وسلم قال يوم خيبر : ( لأعـطين هذه الراية غـدا رجلا يفتح الله عـلى يديه ، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) قال : فبات الناس ليلتهم أيهم يعـطاها ؟ فلما أصبح الناس غـدوا عـلى رسول الله صلى الله عـليه وسلم كلهم يرجو أن يعـطاها ، فقال : ( أين عـلي بن أبى طالب ؟ ) فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال : فأرسلوا إليه فأتى به ، فبصق رسول الله صلى الله عـليه وسلم فى عـينيه ودعـا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع ، فأعـطاه الراية ، فقال عـلي : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونا مثلنا ؟ فقال : ( انفذ عـلى رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعـهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عـليهم من حق الله فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَعَـم ) ، 
وفى حديث سلمة بن الأكوع عـند مسلم قال : 
وخرج ( مرحب ) فقال : قد عـلمت خيبر أني مرحب …. شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب .
فقال علي : أنا الذي سمتني أمي حيدرة …. كليث غـابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره .
قال : فضرب رأس ( مرحب ) فقتله وكان الفتح عـلى يديه .
مرحب هذا : فارس فرسان اليهود وكان مكتوبا عـلى سيفه بالعـبرية : هذا سيف مرحب من يذقه يعـطب .
فضربه عـلي فقد الحجر والمغـفر ورأسه ووقع السيف فى الأضراس ، وقبله قتل ( عـلي ) أخا مرحب ، وهو الحارث ، وبارز عـلى قائدا يهوديا بعـد مبارزة الزبير لياسر وكان هذا القائد الفارس يسمى عـامرا فقتله عـلى أمام الحصن ، وفتح الله عـلى يديه حصن ( ناعـم ) وهو من أقوى حصون خيبر .
وبعـد وفاة النبى صلى الله عـليه وسلم ظل ( عـلي ) ملازما لخليفته الراشد ( أبي بكر ) – رضي الله عـنه -، وكان أبو بكر يعـرف قدره ومنزلته ويشاوره فى عـظائم الأمور ، ولطالما كان يسعـى إليه ويقول ( أفتنا يا أبا الحسن ) ، ولما توفى أبو بكر – رضى الله عـنه – ، وأصبح عـمر رضى الله عـنه ، أمير للمؤمنين ، كان يعـرف أيضا ( لعـلي ) قدره ومنزلته ، ولطالما كان يستنجد بفقهه وبذكائه وبصيرته ويقول ( لولا عـلي لهلك عـمر ) وبعد وفاة عمر – رضي الله عنه – تولى الخلافة عثمان كان ايضا يستشير علياً ، إلا أن تولى علي – رضي الله عنه – الخلافة ، فظل ورعه وزهده كما هو لم يتبدل ولم يتغير ، فأبى أن يسكن في قصر الإمارة ، واتصف بالعدل الشديد وقال عنه ابن مسعود : أنه أقضى أهل المدينة ، واتصف أيضا بالجود والكرم الشديد فلم يبخل على أقاربه وغير أقاربه .
ولا يخفى على أحد قتاله للخوارج وهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طوبى لمن قتلهم وقتلوه ) ، وتحقق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل علي – رضي الله عنه – على يد عبد الرحمن بن ملجم وهو واحد من الخوارج وكان هذا في يوم 15 رمضان سنة (40 هــ ) .
ولقى الأمام ربه – أخيراً – مصابا بضربة سيف مسموم .. كما لقيه من قبله عمر الفاروق ، مصابا بضربة خنجر محموم ! 
فرحمة الله على (علي) ورضي الله عنه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *